ابن سيده

313

المحكم والمحيط الأعظم

قائل : إن السِّينَ عِوَضٌ ليسَتْ بزائدةٍ . قيل : إنَّها وإنْ كانَت عِوَضًا من حركةِ الواوِ فهي زائِدةٌ ، لأنها لم تكن عِوَضًا من حرفٍ قد ذَهَبَ كما تكون الهمزةُ في عَطاءٍ ونحوِهِ . قال ابن جنى : وَتَعَقَّبَ أبو العبَّاسِ على سيبويه هذا القول فقال : إنما يُعَوَّضُ من الشئ إذا فُقِدَ وذَهَب ، فأمَّا إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وَجْه للتَّعْوِيض منه ، وحركةُ العين التي كانت في الواو قد نُقِلَتْ إلى الطَّاءِ التي هي الفاءُ ولم تُعْدَم وإنما نُقِلَتْ ، فلا وَجْهَ للتَّعْويض من شىءٍ موْجودٍ غيرِ مفقودٍ . قال : وذهَبَ عن أبي العباس ما في قَوْلِ سيبويه هذا من الصِّحَّةِ ، فإمَّا غالَطَ وهي من عادَتِه معه ، وإمَّا زَلَّ في رأيه هذا ، والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأنَّ السين عِوَضٌ من حركةِ عَينِ الفعل أنَّ الحركة التي هي الفتحةُ - وإن كانَتْ كما قال أبو العَبَّاس مَوْجودَةً - مَنْقولة إلى الفاءِ لما فَقَدَتْها العَيْنُ فَسَكَنَتْ بَعْدَ ما كانت متحركة فَوَهَنَتْ بسُكُونِها ولِما دَخَلَها من التَّهَيُّؤِ للحذف عند سكون اللام ، وذلك لم يُطعْ وأطِعْ ، ففي كلّ هذا قد حُذِفَت العَينُ لالتقاء الساكنَين ، ولو كانت العين متحركة لما حُذِفت لأنه لم يك هناك التقاءُ ساكنين ، ألا ترى أنك لو قُلْتَ أطْوَعَ يُطْوِعُ ولم يُطْوِعْ وأطْوِعْ زَيْدًا لصَحَّتِ العَيْنُ ولم تُحْذَف فلمَّا نُقِلتْ عنها الحركةُ وسكنَتْ سقطتْ لاجتماعِ الساكنَيْن فكان هذا توهينًا وضَعْفا لَحِقَ العينَ فجُعِلَت السِّينُ عوَضًا من سُكونِ العين المُوهِنِ لها المُسَبِّبِ لقلْبها وحَذْفها ، وحركةُ الفاء بعد سكونها لا تَدْفعُ عن العين ما لحِقها من الضَّعْف بالسُّكون والتَّهَيُّؤِ للحذْفِ عند سكون اللَّامِ ، ويُؤَكِّدُ ما قال سيبويه من أن السين عوضٌ من ذَهابِ حركةِ العينِ أنَّهُمْ قد عَوَّضُوا من ذَهابِ حركة العين حَرْفا آخر غيرَ السين وهو الهاء في قول من قال أهْرَقْتُ ، فسَكَّنَ الهاءَ وجمع بينها وبين الهمزةِ ، فالهاء هُنا عوَضٌ من ذهَابِ فَتْحَةِ العينِ لأن الأصل أرْوَقْتُ وأرْيَقْتُ ، والواوُ عندي أقْيَسُ لأمرَيْنِ : أحدهما أن كَونَ عينِ الفعل واوًا أكثرُ من كونها ياءً فيما اعتلَّت عينُه . والآخَر أن الماءَ إذا هُرِيقَ ظَهَرَ جَوْهَرُه وصَفا فَراقَ رَائيَهُ ، فهذا أيضًا يُقَوْى كَوْنَ العين منه واوًا ، على أنَّ الكسائىَّ قد حكى : رَاقَ الماءُ يَرِيقُ إذا انْصَبَّ ، وهذا قاطِعٌ بِكونِ العينِ ياءً ، ثم إنهم جعلوا الهاء عِوَضًا من نَقْل فتحةِ العين عنها إلى الفاءِ كما فعلوا ذلك في أسْطاع ، فكما لا يكون أصْلُ أهْرَقْتُ اسْتَفْعَلْتُ كذلك ينبغي ألَّا يكونَ أصْلُ [ أسْطَعْتُ ] اسْتَفْعَلت ، وأما [ من قال اسْتَعْتُ فإنه حذف الطاء كما حذف التاءَ و ] من قال أستَعْت فإنه قلب الطاء تاء ليشاكل بها السينَ لأنها أُختها في الهمس ، وأما ما حكاه سيبويه من قولهم يَسْتِيعُ ، فإمَّا أن يكونوا أرادوا يَسْتَطِيعُ فحذفوا الطاءَ كما حذفوا لامَ ظَلْتُ وتركوا الزيادةَ كما تَركوها في يَتَّقِى ، وإما أن يكونوا أبْدَلوا التاء مكان الطاء ليكون ما بعد السين مهموسًا مِثْلَها . وحكى سيبويه . ما أسْتَتِيعُ ، بتاءَيْنِ ، وما